يرصد كاتب تقرير جيروزاليم بوست تحركًا مصريًا مكثفًا في لحظة إقليمية مشتعلة، مع زيارة رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي إلى السعودية ولقائه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في جدة، حيث ناقش الجانبان تداعيات التصعيد العسكري مع إيران وانعكاساته على أمن المنطقة واستقرارها. ويكشف هذا التحرك، في جوهره، عن حسابات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة تدفع القاهرة إلى الاقتراب أكثر من العواصم الخليجية.
أدانت مصر الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون ومنشآتها الحيوية، واعتبرتها تهديدًا خطيرًا للاستقرار الإقليمي. لكن هذا الاصطفاف لا ينفصل عن الواقع الاقتصادي الصعب داخل مصر، حيث تضغط أزمات المعيشة وارتفاع الأسعار على الدولة والمجتمع معًا، وجاءت زيادات الوقود الأخيرة لتضيف عبئًا جديدًا على الشارع، في وقت تبدو فيه القاهرة أكثر احتياجًا إلى الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع داعميها الخليجيين.
ضغوط الداخل تدفع نحو الخليج
اكتسبت زيارة السيسي إلى السعودية أهمية تتجاوز بعدها الدبلوماسي المباشر، لأن مصر تواجه وضعًا اقتصاديًا هشًا يجعل أي اهتزاز إقليمي خطرًا مضاعفًا عليها. فارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع القدرة الشرائية، والقلق المستمر بشأن تدفقات النقد الأجنبي، كلها عوامل تدفع القاهرة إلى البحث عن مظلة دعم سياسي ومالي أكثر صلابة.
وفي هذا السياق، يبدو الخليج بالنسبة إلى السيسي أكثر من مجرد شريك سياسي؛ فهو ممول رئيسي وسند اقتصادي لا يمكن الاستهانة به. لذلك يقرأ كثيرون هذه الجولة الخليجية بوصفها رسالة تضامن، لكنها أيضًا رسالة مصلحة واضحة: مصر تريد تثبيت موقعها داخل المعسكر الخليجي في لحظة تحتاج فيها إلى الدعم والاستثمارات والمساندة، خصوصًا مع أي موجة جديدة من الاضطراب في أسواق النفط والطاقة.
جولة خليجية برسائل سياسية واقتصادية
لم تقتصر تحركات السيسي على السعودية، بل شملت البحرين والإمارات وقطر، في مشهد يعكس رغبة مصر في تأكيد وقوفها إلى جانب دول الخليج أمام التهديدات الإيرانية. وخلال لقاءاته، شدد السيسي على رفض الاعتداءات التي تطال سيادة الدول والمنشآت المدنية، وأكد تضامن القاهرة مع الإجراءات التي تتخذها هذه الدول لحماية أمنها وسلامة أراضيها.
لكن خلف هذه اللغة السياسية، يظهر بوضوح بعد اقتصادي لا يقل أهمية. فالقاهرة تعرف أن استقرار الخليج ينعكس على الاقتصاد المصري، سواء عبر الاستثمارات أو المساعدات أو فرص العمل أو التحويلات. كما تدرك أن أي تصعيد واسع قد يربك الأسواق ويزيد كلفة الطاقة والنقل، وهو ما يضغط أكثر على دولة تعاني أصلًا من هشاشة مالية وتضخم مرتفع.
ومن هنا، لا يبدو التحرك المصري مجرد موقف مبدئي ضد إيران، بل أقرب إلى تموضع محسوب يراعي أولويات الأمن القومي ومقتضيات الاقتصاد معًا. فكلما ازدادت حاجة مصر إلى الموارد والدعم، ازدادت أهمية الحفاظ على علاقات قوية مع العواصم الخليجية الكبرى.
دبلوماسية التحالف ومخاوف التمويل
يفتح التقرير الباب أمام فهم أوسع للدور الذي قد تلعبه مصر إقليميًا في المرحلة المقبلة. فالقاهرة تحاول أن تظهر كدولة محورية في العالم العربي، وقادرة على المشاركة في صياغة التوازنات، لا الاكتفاء بتلقي نتائجها. ومع ذلك، تظل حساباتها العملية مرتبطة بشدة بقدرتها على عبور أزمتها الاقتصادية الداخلية.
لهذا، يمكن قراءة تحرك السيسي على أنه محاولة مزدوجة: من جهة، يعلن انحيازًا واضحًا إلى الخليج في مواجهة إيران، ومن جهة أخرى، يبعث بإشارة مفادها أن مصر شريك موثوق يستحق استمرار الدعم. وفي ظل زيادة أسعار الوقود مؤخرًا، وما تتركه من أثر مباشر على النقل والسلع والغضب الاجتماعي، تبدو هذه الرسالة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
تتحرك مصر سياسيًا تحت ضغط الاقتصاد، وتقترب أكثر من الخليج لأنها ترى فيه عمقًا استراتيجيًا وممولًا رئيسيًا في آن واحد. وبين نار الإقليم وأعباء الداخل، تحاول القاهرة أن تمسك العصا من المنتصف: تضامن سياسي كامل مع الحلفاء الخليجيين، وسعي عملي إلى تأمين ما تحتاجه من دعم في زمن شديد القسوة.

